محاكمة الحداثة في الخطاب الإسلامي ونقد الايديولوجيا القطبية

يرصد المفكر الموريتاني السيد ولد أباه ارتباكات الخطاب الإسلامي حول إشكالية الحداثة في كتابه “الدين والهوية – إشكالات الصدام والحوار والسلطة» الصادر حديثا عن «دار جداول» للنشر ببيروت . ويوضح المؤلف أن الخطاب الإسلامي السائد لم يستطع بناء تصور منسجم للحداثة ، ” فليست الحداثة مشروعا غربيا وافدا ، وإنما هي مسار إنساني مفتوح لصياغة القيم الجماعية المشنركة ، وللمسلمين موقعهم في هذا المسار بحكم زخمهم الحضاري وموقعهم المحوري على الخارطة العالمية” . ومع أن مفكري النهضة مثل الطهطاوي وخير الدين التونسي والأفغاني تأثروا بوضوح بفكر الأنوار ، واحتفوا بمقولة “التقدم” وترجموها بعبارة التمدن ، واعتبروها مطلبا حيويا لنهوض الأمة ، ولم يجدوا في هذا الفكر الجديد تعارضا مع مرجعية الإسلام العقدية والروحية ، بل أن مشروع التنوير كان الديناميكية الدافعة للإصلاحات السياسية والمجتمعية ، إلا أن فكر الأنوار تعرض لنقد جذري في كتابات الأخوين سيد ومحمد قطب ، المنتمين إلى الجيل الثاني من مدرسة الإخوان المسلمين ، حيث يذهبان إلى ربط عصر الأنوار بالمؤمرات الماسونية ، كما يربطان قيم التنوير باليهود الثلاثة ماركس وفرويد وداروين ، على الرغم من هؤلاء من مفكري القرن التاسع عشر ولا ينتمون بأي حال من الأحوال إلى المناخ الثقافي لعصر الأنوار الذي انطلق بشعار “استخدم عقلك بحرية ” كما جاء في نص مشهور للفيلسوف الألماني كانط ، ويعني بذلك استعمال العقل خارج قيود السلطات الدينية والسياسية .

يناقش المؤلف في الفصلين الأول والثاني «المسألة الدينية – السياسية» من زاويتين هما: الدولة الدينية والدولة – الدين، ويتناول في الفصل الثالث «نموذج ولاية الفقيه في إطار الفكر الشيعي المعاصر».

ويخصص الفصل الرابع لمناقشة علاقة «الحداثة والكونية» في إطار إشكالية الخصوصية، ويتعرض لأشكال تمثلاتها ومقارباتها في كتابات صفوة من المفكرين العرب والإسلاميين.

ويستعرض في الفصل الخامس تصورات الإسلاميين لمفهوم الحداثة ، وأختار الوقوف عند كتاب قضية التنوير للكاتب الإخواني البارز محمد قطب الذي أسس مع شقيقه سيد قطب الرؤية الإخوانية للحداثة ، وكتاب الشيخ سفر الحوالي “مقدمة في تطور الفكر الغربي والحداثة” ، وعوض القرني الذي اشتهر بكتابه السجالي “الحداثة في ميزان الإسلام” .

ويرى المؤلف أن المدرسة القطبية تأثرت بفكر المفكر الباكستاني أبو الأعلى المودودي الذي كان أول من طرح مفهوم “الحاكمية” الذي شكل الفكرة المحورية في المنظومة الايديولوجية الإسلامية ، وتجاوزت القطبية في صياغتها الايديولوجية للخطاب الإسلامي ، التي تتمحور حول فكرة الحاكمية الالهية ، والنظرة إلى الحداثة الغربية بصفتها جاهلية ثانية ، وإرجاع التصورات الفلسفية الإنسانية الحديثة إلى أفكار اليهود ومخططاتهم ، والطموح إلى أسلمة المعارف ، والقول بانحطاط الغرب وسقوطه الحتمي ، والدعوة إلى القطيعة المعرفية و الايديولوجية والإجرائية بين القلة المؤمنة والمجتمع الجاهلي المنحرف. والمفارقة المثيرة في تناول محمد قطب للتنوير والحداثة اختزاله النموذج الغربي في الفساد الأخلاقي ، ولا تستوقفه قيم العدالة الاجتماعية والحرية السياسية . ويؤكد المؤلف على سذاجة وسطحية هذه الأطروحات لتنكرها لحقيقة بديهية هي التزايد المطرد للفوارق النوعية بين الغرب وباقي العالم في التطور العلمي والتقني ، وفي الاستقرار السياسي ، بدل الإقرار بأن أسباب التفوق والنهوض مرهونة باحترام حقوق الإنسان ، وتحرير إرادته ووعيه ، وفعالية المؤسسات الدستورية ، والاستثمار في البحث العلمي وتطوير الموارد البشرية ، وهي الشروط المتاحة لمختلف الأمم والمجتمعات ، على تباين ديانتها وشرائعها ، وليس فيها ما يعارض الأسلام ، بل هي من أساسيات قيمه ، كما أشار إليها رئيس البوسنة الراحل علي عزت بيغوفيتش “كل ما هو عظيم من صنع الله ، وكل ما هو خطأ من صنع البشر”.                              

    ويعلق المؤلف على كتاب الحوالي بأنه قراءة حافلة بالإدعاء والتبسيط الشديد لمسار الفكر الغربي منذ اعتناق اوربا للمسيحية في القرن الرابع الميلادي إلى عصر ما بعد الحداثة ، ويقوم منهجه على منطلقات هشة تنم عن قصور جلي في الاطلاع على النصوص الفلسفية الغربية ، التي يورد بعض الشذرات خارج سياقها ، وبالرجوع إلى بعض المصادر الثانوية المشكوك فيها علميا ، مع إصدار أحكام تثير استهجان من له اهتمام بالشأن الفلسفي. وكتابه قائم على أغلاط شنيعة وأخطاء في فهم النصوص ، وظفها في إصدار فتوى بتكفير وتبديع الاتجاه التحديثي العربي.

ويعتبر المؤلف أن كتاب القرني ليس أكثر من محاكمة عقدية متسرعة ، ومرجعيته الفكرية في الاطلاع على الحداثة لاتتجاوز أدبيات محمد قطب وسفر الحوالي ، وهي كتابات لاتفيد شيئا في إدراك الحداثة وإشكالاتها المعقدة. والكتاب على درجة عالية من الخطورة ، بما يبث من أحكام تكفير لتيار واسع في الثقافة العربية ، وهو بذلك نموذج بارز لثقافة الكراهية التي تمثل البيئة الفكرية والنفسية للإرهاب والعنف. فهذا الخطاب بدون شك سبب رئيس لما تعيشه الأمة من فتن ومآس ، أتت على الأخضر واليابس ، بقدر ما هو نموذج بارز لصورة الاسلام المشوهة التي أضحت للأسف الصورة الشائعة عنه لدي الآخر ، خصوصا في الغرب.

ويختتم المؤلف كتابه بفصل عن الاسلاموفوبيا الجديدة التي طفت على السطح بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) بأميركا في عام 2001، ويذهب إلى كونها نزعة عنصرية لا فكرية ، تندرج في سياق تنامي النزعات القومية المتطرفة التي تعزز حضورها في السنوات الأخيرة.

Advertisements
هذا المنشور نشر في الإسلام السياسي. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s